الخطيب الشربيني
372
مغني المحتاج
ليتم الاجل . وشرعا : الخصومة بين خصمين فأكثر بحكم الله تعالى . قال ابن عبد السلام : الحكم الذي يستفيده القاضي بالولاية هو إظهار حكم الشرع في الواقعة فيمن يجب عليه إمضاؤه فيه بخلاف المفتي ، فإنه لا يجب عليه إمضاؤه ، وسمي القضاة حكما لما فيه من الحكمة التي توجب وضع الشئ في محله لكونه يكف الظالم عن ظلمه ، أو من إحكام الشئ ، ومنه حكمة اللجام لمنعه الدابة من ركوبها رأسها ، وقد قيل إن الحكمة مأخوذة من هذا أيضا لمنعها النفس من هواها . والأصل في ذلك الكتاب والسنة والاجماع ، فمن الكتاب آيات كقوله تعالى : * ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ) * وقوله تعالى : * ( فاحكم بينهم بالقسط ) * وقوله تعالى : * ( إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس ) * . ومن السنة أخبار ، كخبر الصحيحين : إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر ، وإن أصاب فله أجران ، وفي رواية صحح الحاكم إسنادها : فله عشرة أجور . وروى البيهقي خبر : إذا جلس الحاكم للحكم بعث الله له ملكين يسددانه ويوفقانه ، فإن عدل أقاما ، وإن جار عرجا وتركاه . قال المصنف في شرح مسلم : أجمع المسلمون على أن الحديث - يعني الذي في الصحيحين - في حاكم عالم أهل للحكم إن أصاب فله أجران باجتهاده ، وإن أخطأ فله أجر باجتهاده في طلب الحق ، أما من ليس بأهل للحكم فلا يحل له أن يحكم ، وإن حكم فلا أجر له ، بل هو آثم ولا ينفذ حكمه سواء وافق الحق أم لا ، لأن إصابته اتفاقية ليست صادرة عن أصل شرعي ، فهو عاص في جميع أحكامه سواء وافق الصواب أم لا ، وهي مردودة كلها ، ولا يعذر في شئ من ذلك . وقد روى الأربعة والحاكم والبيهقي أن النبي ( ص ) قال : القضاة ثلاثة : قاضيان في النار وقاض في الجنة ، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق وقضى به ، واللذان في النار : رجل عرف الحق فجار في الحكم ، ورجل قضى للناس على جهل فالقاضي الذي ينفذ حكمه هو الأول والثاني والثالث لا اعتبار بحكمهما . والاجماع منعقد على فعله سلفا وخلفا . وقد استقضى النبي ( ص ) والخلفاء الراشدون بعده فمن بعدهم ووليه سادات وتورع عنه مثلهم ، وورد من الترغيب والتحذير أحاديث كثيرة . ولا شك أنه منصب عظيم إذا قام العبد بحقه ، ولكنه خطر والسلامة فيه بعيدة إلا من عصمه الله تعالى ، وقد كتب سلمان الفارسي إلى أبي الدرداء رضي الله تعالى عنهما لما كان قاضيا ببيت المقدس : إن الأرض لا تقدس أحدا ، وإنما يقدس المرء عمله ، وقد بلغني أنك جعلت طبيبا تداوى ، فإن كنت تبرئ فنعما لك ، وإن كنت مطببا فاحذر أن تقتل أحدا فتدخل النار ، فما بالك بمن ليس بطبيب ولا مطبب . وقال بعض الأكابر ممن دخل في القضاء : أنا نذير لمن يكون عنده أهلية العلم أن لا يتولى القضاء . فإن كلام العلماء يؤخذ بالقبول ، وكلام القضاة تسري إليه الظنون ، وإن ترتب على القضاء أجر في وقائع جزئية ، فالعلم يترتب عليه أمور كلية تبقى إلى يوم القيامة ، وما ورد في التحذير عنه : من جعل قاضيا ذبح بغير سكين ، فهو محمول على من يكره له القضاء ، أو يحرم على ما سيأتي . ( هو ) أي قبول تولية القضاء من الإمام ( فرض كفاية ) في حق الصالحين له في الناحية ، أما كونه فرضا فلقوله تعالى : * ( كونوا قوامين بالقسط ) * ولان طباع البشر مجبولة على التظالم ومنع الحقوق ، وقل من ينصف من نفسه ، ولا يقدر الإمام على فصل الخصومات بنفسه فدعت الحاجة إلى تولية القضاء . وأما كونه على الكفاية فلانه أمر بمعروف أو نهي عن منكر ، وهما على الكفاية ، وقد بعث النبي ( ص ) عليا إلى اليمن قاضيا ، فقال : يا رسول الله بعثتني أقضي بينهم وأنا شاب لا أدري ما القضاء فضرب النبي ( ص ) صدره وقال : اللهم اهده وثبت لسانه قال : فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما شككت في قضاء بين اثنين ، رواه أبو داود والحاكم وقال : صحيح الاسناد . واستخلف النبي ( ص ) عتاب بن أسيد على مكة واليا وقاضيا ، وقلد معاذا قضاء اليمن . وبعث أبو بكر أنسا إلى البحرين ، وبعث عمر أبا موسى الأشعري إلى البصرة . فلو كان فرض عين لم يكف واحد . وعن القاضي أبي الطيب استحباب نصب القضاة في البلدان ، قال ابن الرفعة : ولم أره لغيره . فعلى المشهور إذا قام بالفرض من يصلح سقط الفرض عن الباقين . وإن امتنعوا أثموا وأجبر الإمام أحد الصالحين على الصحيح . وخرج بقبوله التولية إيقاعها للقاضي من الإمام فإنها فرض عين عليه لدخوله في عموم ولايته ولا يصح إلا من جهته ، ولا يجوز أن يتوقف